فصل: قال الألوسي:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



.قال أبو حيان:

{كالذين من قبلكم كانوا أشد منكم قوة} هذا التفات من ضمير الغيبة إلى ضمير الخطاب.
قال الفراء: التشبيه من جهة الفعل أي: فعلتم كأفعال الذين من قبلكم فتكون الكاف في موضع نصب.
وقال الزجاج: المعنى وعد كما وعد الذين من قبلكم، فهو متعلق بوعد.
وقال ابن عطية: وفي هذا قلق.
وقال أبو البقاء: ويجوز أن تكون متعلقة بيستهزؤون، وهذا فيه بعد.
وقيل: في موضع رفع التقدير أنتم كالذين.
والتشبيه وقع في الاستمتاع والخوض.
وقوله: {كانوا أشد}، تفسير لشبههم بهم، وتمثيل لفعلهم بفعلهم.
والخلاق: النصيب أي: ما قدر لهم.
قال الزمخشري: (فإن قلت): أي فائدة في قوله: {فاستمتعوا بخلاقهم}، وقوله: {كما استمتع الذين من قبلكم بخلاقهم} مغن عنه، كما أغنى {كالذي خاضوا}؟ (قلت): فائدته أنْ قدم الأولين بالاستمتاع ما أوتوا من حظوظ الدنيا ورضاهم بها، والتهائهم، فشبهوا بهم الفانية عن النظر في العاقبة، وطلب الفلاح في الآخرة، وأن يخسس أمر الاستمتاع ويهجن أمر الراضي به، ثم شبه بعد ذلك حال المخاطبين بحالهم كما يريد أن ينبه بعض الظلمة على سماجة فعله فيقول: أنت مثل فرعون كان يقتل بغير جرم ويعذب ويعسف، وأنت تفعل مثل فعله.
وأما وخضتم كالذي خاضوا فمعطوف على ما قبله مستند إليه مستغن بإسناده إليه عن تلك المقدمة انتهى.
يعني: استغنى عن أن يكون التركيب، وخاضوا فخضتم كالذي خاضوا.
قال ابن عطية: كانوا أشد منكم وأعظم فعصوا فهلكوا، فأنتم أحرى بالإهلاك لمعصيتكم وضعفكم والمعنى: عجلوا حظهم في دنياهم، وتركوا باب الآخرة، فاتبعتموهم أنتم انتهى.
ولما ذكر تشبيههم بمن قبلهم وذكر ما كانوا فيه من شدة القوة وكثرة الأولاد، واستمتاعهم بما قدّر لهم من الأنصباء، شبه استمتاع المنافقين باستمتاع الذين من قبلهم، وأبرزهم بالاسم الظاهر فقال: كما استمتع الذين من قبلكم بخلاقهم، ولم يكن التركيب كما استمتعوا بخلاقهم ليدل بذلك على التحقير، لأنه كما يدل بإعادة الظاهر مكان المضمر على التفخيم والتعظيم، كذلك بدل بإعادته على التحقير والتصغير لشأن المذكور كقوله تعالى: {يا أبت لا تعبد الشيطان إن الشيطان كان للرحمن عصيًا} وكقوله: {إن المنافقين هم الفاسون} ولم يأت التركيب أنه كان، ولا أنهم هم.
وخضتم: أي دخلتم في اللهو والباطل، وهو مستعار من الخوض في الماء، ولا يستعمل إلا في الباطل، لأنّ التصرف في الحق إنما هو على ترتيب ونظام، وأمور الباطل إنما هي خوض.
ومنه: رب متخوض في مال الله له النار يوم القيامة.
كالذي خاضوا: أي كالخوض الذي خاضوا قاله الفراء.
وقيل: كالخوض الذين خاضوا.
وقيل: النون محذوفة أي: كالذين خاضوا، أي كخوض الذين.
وقيل: الذي مع ما بعدها يسبك منهما مصدر أي: كخوضهم.
والظاهر أنّ أولئك إشارة إلى الذين وصفهم بالشدّة وكثرة الأموال والأولاد، والمعنى: وأنتم كذلك يحبط أعمالكم.
قال ابن عطية: ويحتمل أن يريد بأولئك المنافقين المعاصرين لمحمد صلى الله عليه وسلم، ويكون الخطاب لمحمد صلى الله عليه وسلم، وفي ذلك خروج من خطاب إلى خطاب غير الأول.
وقوله: {في الدنيا} ما يصيبهم في الدنيا من التعب وفساد أعمالهم، وفي الآخرة نار لا تنفع ولا يقع عليها جزاء.
ويقوي الإشارة بأولئك إلى المنافقين قوله في الآية المستقبلة {أَلَمْ يَأْتِهِمْ} فتأمله انتهى.
وقال الزمخشري: حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة، نقيض قوله تعالى: {وآتيناه أجره في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين}. اهـ.

.قال أبو السعود:

{كالذين مِن قَبْلِكُمْ}
التفاتٌ من الغَيبة إلى الخطاب للتشديد والكافُ في محل الرفعِ على الخبرية، أي أنتم مثلُ الذين مِن قبلكم {كَانُواْ أَشَدَّ مِنكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أموالا وأولادا} تفسيرٌ وبيانٌ لِشَبَههم بهم وتمثيلٌ لحالهم بحالهم {فاستمتعوا} تمتعوا، وفي صيغة الاستفعالِ ما ليس في صيغة التفعلِ من الاستزادة والاستدامةِ في التمتع {بخلاقهم} بنصيبهم من ملاذ الدنيا، واشتقاقُه من الخَلْق بمعنى التقدير وهو ما قُدّر لصاحبه {فَاسْتَمْتَعْتُمْ بخلاقكم كَمَا اسْتَمْتَعَ} الكاف في محل النصبِ على أنه نعتٌ لمصدر محذوفٍ أي استمتاعًا كاستمتاع {الذين مِنْ قَبْلِكُم بخلاقهم} ذمّ الأولين باستمتاعهم بحظوظهم الخسيسةِ من الشهوات الفانيةِ والتهائِهم بها عن النظر في العواقب الحقةِ واللذائذ الحقيقيةِ تمهيدًا لذم المخاطبين بمشابهتهم إياهم واقتفائِهم أثرَهم {وَخُضْتُمْ} أي دخلتم في الباطل {كالذي خَاضُواْ} أي كالذين بإسقاط النونِ أو كالفوج الذي أو كالخوض الذي خاضوه {أولئك} إشارةٌ إلى المتصفين بالأوصاف المعدودةِ من المشبَّهين والمشبَّهة بهم لا إلى الفريق الأخير فقط فإن ذلك يقتضي أن يكون حُبوطُ أعمالِ المشبهين وخسرانُهم مفهومَين ضمنًا لا صريحًا ويؤدي إلى خلوّ تلوينِ الخطابِ عن الفائدة إذ الظاهرُ حينئذ أولئكم والخطابُ لرسول الله صلى الله عليه وسلم أو لكل من يصلُح للخطاب أي أولئك الموصوفون بما ذكر من الأفعال الذميمة.
{حَبِطَتْ أعمالهم} ليس المرادُ بها أعمالَهم المعدودةَ كما يُشعر به التعبيرُ عنهم باسم الإشارةِ فإن غائلتَها غنيةٌ عن البيان بل أعمالَهم التي كانوا يستحقون بها أجورًا حسنةً لو قارنت الإيمان، أي ضاعت وبطَلت بالكلية ولم يترتب عليها أثرٌ {فِى الدنيا والآخرة} بطريق المثوبةِ والكرامةِ، أما في الآخرة فظاهرٌ وأما في الدنيا فلأنّ ما يترتب على أعمالهم فيها من الصحةِ والسعة وغيرِ ذلك حسبما ينبئ عنه قولُه عز وجل: {مَن كَانَ يُرِيدُ الحياة الدنيا وَزِينَتَهَا نُوَفّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ} ليس ترتبُه عليها على طريقه المثوبةِ والكرامة بل بطريق الاستدراج {وَأُوْلئِكَ} أي الموصوفون بحُبوط الأعمالِ في الدارين {هُمُ الخاسرون} الكاملون في الخسران في الدارين الجامعون لمباديه وأسبابِه طرًا فإنه قد ذهبت رؤوسُ أموالِهم التي هي أعمالُهم فيما ضرَّهم ولم تنفعْهم قطّ ولو أنها ذهبت فيما لا يضرهم ولا ينفعهم لكفى به خسرانًا، وإيرادُ اسمِ الأشارة في الموضعين للإشعار بعلية الأوصافِ المُشارِ إليها للحبوط والخسران. اهـ.

.قال الألوسي:

{كالذين مِن قَبْلِكُمْ} التفات من الغيبة إلى الخطاب للتشديد، والكاف في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف أي أنتم مثل الذين من قبلكم من الأمم المهلكة أو في حيز النصب بفعل مقدر أي فعلتم مثل الذين من قبلكم، ونحوه قول النمر يصف ثور وحش وكلابًا:
حتى إذا الكلاب قال لها ** كاليوم مطلوبًا ولا طالبًا

فإن أصله لم أر مطلوبًا رأيته اليوم ولا طلبة كطلبة رأيتها اليوم فاختصر الكلام فقيل لم أر مطلوبًا كمطلوب اليوم لملابسته له ثم حذف المضاف اتساعًا وعدم الباس، وقيل: كاليوم وقدم على الموصوف فصار حالا للاعتناء والمبالغة وحذف الفعل للقرينة الحالية ووجه الشبه المعمولية لفعل محذوف، وقوله سبحانه: {كَانُواْ أَشَدَّ مِنكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أموالا وأولادا} إلخ تفسير للتشبيه وبيان لوجه الشبه بين المخاطبين ومن قبلهم فلا محل لها من الإعراب، وفيه إيذان بأن المخاطبين أولى وأحق بأن يصيبهم ما أصابهم {فاستمتعوا بخلاقهم} أي تمتعوا بنصيبهم من ملاذ الدنيا، وفي صيغة الاستفعال ما ليس في التفعل من الاستفادة والاستدامة في التمتع، واشقاق الخلاق من الخلق بمعنى التقدير وهو أصل معناه لغة {فَاسْتَمْتَعْتُمْ بخلاقكم كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ بخلاقهم} ذم الأولين باستمتاعهم بحظوظهم الخسيسة من الشهوات الفانية والتهائهم فيها عن النظر في العاقبة والسعي في تحصيل اللذائذ الحقيقية تمهيدًا لذم المخاطبين بمشابهتهم واقتفاء أثرهم، ولذلك اختير الاطناب بزيادة {فاستمتعوا بخلاقهم} وهذا كما تريد أن تنبه بعض الظلمة على سماجة فعله فتقول أنت مثل فرعون كان يقتل بغير جرم ويعذب ويعسف وأنت تفعل مقله، ومحل الكافالنصب على أنه نعت لمصدر محذوف أي استمتعتم استمتاعًا كاستمتاع الذين {وَخُضْتُمْ} أي دخلتم في الباطل {كالذي خَاضُواْ} أي كالذين فحذفت نونه تخفيفًا كما في قوله:
إن الذين حانت بفلج دماؤهم ** هم القوم كل القوم يا أم خالد

ويجوز أن أكون الذي صفة لمفرد اللفظ مجموع المعنى كالفوج والفريق فلوحظ في الصفة اللفظ وفي الضمير المغنى أو هو صفة مصذر محذوف أي كالخوض الذي خاضوه ورجح بعدم التكلف فيه، وقال الفراء: إن الذي تكون مصدرية وخرج هذا عليه أي كخوضهم وهو كما قال أبو البقاء نادر، وهذه الجملة عطف على ما قبلها وحينئذ إما أن يقدر فيها ما يجعلها على طرزه لعطفها عليه أو لا يقدر إشارة إلى الاعتناء بالأول {أولئك} إشارة إلى المتصفين بالصفات المعدودة من المشبهين والمشبه بهم، وكونه إشارة إلى الأخير يقتضي أن يكون حكم المشبهين مفهومًا ضمنًا ويؤدي إلى خلو تلوين الخطاب عن الفائدة إذ الظاهر حينئد أولئكم والخطاب لسيد المخاطبين عليه الصلاة والسلام أو لكل من يصلح له أي أولئك المتصفون بما ذكر من القبائح {حَبِطَتْ أعمالهم} أي التي كانوا يستحقون بها أجورًا حسنة لو قارنت الإيمان، والحبط السقوط والبطلان والاضمحلال؛ والمراد لم يستحقوا عليها ثوابًا وكرامة {فِى الدنيا والاخرة} أما في الآخرة فظاهر وأما في الدنيا فلأن ما حصل لهم من الصحة والسعة ونحوهما ليس الا بطريق الاستدراج كما نطقت به الآيات دون الكرامة {وَأُوْلئِكَ} الموصوفون بحبط الأعمال في الدارين {هُمُ الخاسرون} أي الكاملون في الخسران الجامعون لمباديه وأسبابه طرا.
وإيراد اسم الإشارة في الموضعين للأشعار بعلية الأوصاف المشار إليها للحبط والخسران. اهـ.

.قال ابن عاشور:

{كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا}
قيل هذا الخطاب التفات، عن ضمائر الغيبة الراجعة إلى المنافقين، إلى خطابهم لقصد التفريع والتهديد بالموعظة، والتذكير عن الغرور بما هم فيه من نعمة الإمهال بأنّ آخر ذلك حبط الأعمال في الدنيا والآخرة، وأن يحقّ عليهم الخسران.
فكاف التشبيه في موضع الخبر عن مبتدأ محذوف دلّ عليه ضمير الخطاب، تقديره: أنتم كالذين من قبلكم، أو الكاف في موضع نصب بفعل مقدّر، أي: فعلتم كفعل الذين من قبلكم، فهو في موضع المفعول المطلق الدالّ على فعله، ومثله في حذف الفعل والإتيان بما هو مفعول الفعل المحذوف قول النمر بن تولب:
حتّى إذا الكلاَّب قال لها ** كاليوممِ مطلوبًا ولا طالِبا

أراد: لم أر كاليوم، إلاّ أنّ عامل النصب مختلف بين الآية والبيت.
وقيل هذا من بقية المَقول المأمور بأن يبلغه النبي صلى الله عليه وسلم إيّاهم من قوله: {قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزءون} [التوبة: 65] الآية.
فيكون ما بينهما اعتراضًا بقوله: {المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض} [التوبة: 67] إلخ فضمير الخطاب لهم جار على مقتضى الظاهر بدون التفات والكلام مسوق لتشبيه حالهم في مصيرهم إلى النار.